ثقافة سجناء المرناقية من الزنزانات الى خيمة العروض السينمائية.. هكذا مثّل "عرايس الخوف" فرصة لنفض غبار العزلة عن العالم الخارجي
تحت خيمة سوداء، ارتفع صوت الموسيقى الصاخبة وتعالت الأصوات، كانت أغلبها أصوات رجالية وهو ما شدنا الى حث الخطى في سباق مع الوقت يقتلنا الفضول لمعرفة من هؤلاء.
بسجن المرناقية بولاية منوبة بتونس الاكبر في شمال افريقيا كما حدثنا اطار سجني، هنا الظالم والمظلوم والمتهم في قضايا حق عام والاجنبي وايضا الارهابي والمشتبه به.
الزمان، عشية الأحد والسبب انطلاق اولى افلام أيام قرطاج السينمائية داخل السجون في دورتها الخامسة. من داخل المرناقية...ساعات رحلتنا الى سجن المرناقية وان انطلقت متأخرة لامور لوجيستية راجعة لإدارة المهرجان فإن الرغبة في التعرف على الطرف المقابل (السجين) وهو يواكب فيلما من خارج زنزانته شدنا لمواصلة رحلتنا.
اجراءات مشددة يفرضها نظام هذا السجن، حيث كان لزاما على الصحفيين ممن اختاروا تغطية هذه المناسبة ان يمروا عبر جهاز الكشف بالاشعة ثم توجيههم إلى قسمين أحدهما معني بالصحفيين الراغبين في استعمال الهاتف الجوال واخر خاص بالحاملين لمعدات تصوير كبيرة مع التنويه في كل مرة بضرورة التقيد بتوصيات اعوان السجون معولين على تفهم الصحفيين لحساسية المكان كما يقولون.
توغلنا الخيمة السوداء الضخمة التي كانت تتوسط فضاء قبالة أجنحة سجنية مختلفة، تحتها كان المئات من السجناء سرعان ما يضيع البصر بينهم فعددهم بلغ 700 شخصا جميعهم كانوا متأنقين وملتزمين.

في انتظار جلوس الضيوف من صحفيين وابطال فيلم النوري بوزيد "عرايس الخوف" والاطارات السجنية صفقوا وصرخوا ورقصوا قليلا، هي فرصة لنفض غبار العزلة عن العالم الخارجي.
كلمات ترحيب المسؤولين وان كانت كلاسيكية فإن المسؤولة في ادارة المهرجان شيراز عتيري توجهت بحديثها مباشرة الى السجناء وأكدت أن السينما هو متنفس لهم وتنظيم مثل هذه التظاهرات ستكشف لاحقا عن مواهب يمكن صقلها عبر برنامج بصدد الاعداد لارساء برنامج تكوين في السينما وهي فرصة لتمكين المواهب المسجونة من صناعة الافلام حتى وان كانت أفلام قصيرة، كما جاء في كلمتها.
واستعرض مخرج فيلم افتتاح أيام قرطاج السينمائية النوري بوزيد ابطال "عرايس الخوف" ودعا الحاضرين الى التركيز واستخلاص الفكرة ليكون النقاش بناء والنقد مثيرا قائلا " نقبل منكم النقد بانواعه حتى كان تسبوني".
تصفيق في لحظات العنف...
يروي الفيلم قصة "زينة" و "جو" ، الاولى أنجبت طفلا هناك واخذ منها بالقوة والثانية هي صحفية عادت الى تونس وفي احشائها جنين، كانت فاقدة للنطق ولا تحمل معها غير مذكرات دونت فيها الاغتصاب وتلذذ الارهابيين بالتعذيب وشخصية ثالثة جاءت لتعدل المشهد السينمائي بتصور يعري المجتمع الذكوري الرافض للمثلية رغم ما يحمله ادريس في الفيلم من خصال الطيبة والتعاون في قضية الحال.
طيلة عرض الفيلم لساعتين صفق السجناء في ثلاث لقطات عنف وهي عند انتحار الصحفية بمجرد استحضارها مشهد اغتصابها من قبل عدد من الارهابيين ثم عند تعنيف زينة وعند اغتصابها، وهو ما جعل مخرج الفيلم يتساءل عن سبب التفاعل مع تلك اللحظات.
وفي تصريحهم لموقع الجمهورية، استحسن عدد من السجناء ما طرحه الكاتب ولكنهم في المقابل عبر بعضهم عن رؤيتهم الرافضة لاستعمال الاسلام باسلوب سيء الاخراج في نظرهم وعدد اخر توصل الى ان ما طرحه الكاتب هو تجربة شخصية في رؤيته للمراة مقابل تقزيم الرجل وهو ما اكده النوري بوزيد لهم اما الشق القليل فقد برروا العنف بكونه نتاج سوء اختيار المتضرر لطريق حياته.
أغلقت الابواب وانطفات الانوار وانتهت الزيارة، غادرنا المكان وبقي في البال شوق هؤلاء لحرية لا يطفئ ولعه الا انخراطهم بالنوادي التي وضعتها ادارة السجون على ذمتهم حتى يكون السجين مؤهلا للاندماج في المجتمع مجددا.
نعيمة خليصة